أطفال صوماليلاند ليسوا وثيقة سياسية: تفكيك فبركة الجزيرة الإعلامية
من نقل الخبر إلى تزييف الواقع: الانحطاط المهني للجزيرة في تغطية صوماليلاند
بقلم: غوليد يوسف عيدان
لم يكن الحدث في كلمات الأطفال. الحدث كان في القرار التحريري الذي انتشل مقطعاً عفوياً من بحر الإنترنت، وحوّله إلى “قضية سياسية” تُبث لملايين المشاهدين. هنا لا نتحدث عن زلة صحفية، بل عن اختيار متعمد لاستخدام براءة الأطفال كوقود لمعركة سياسية لا يفهمونها.
في العلوم السياسية والقانون الدولي، الطفل لا يمثل الدولة. لكن “الجزيرة” ارتكبت انحطاطاً مهنياً حين حولت كلمات أطفال إلى “مؤشر” على موقف سياسي. استثمرت في براءتهم لصناعة دليل يصعب الرد عليه—لأن مهاجمته تبدو وكأنها مهاجمة للطفولة نفسها. هذا ليس تأطيراً إعلامياً، بل تجنيد بريء لخدمة سردية مُعدة سلفاً.
الصحافة التي تختزل شعوباً في لقطات مبتورة ليست صحافة حرة، بل صناعة للوعي المُوجَّه
المعايير المزدوجة: صوماليلاند كبش فداء
ذات القناة التي تُضخّم مقطع أطفال في صوماليلاند، تمرّ بصمت مطبق على عقود من التطبيع العربي الرسمي. مصر وقعت معاهدة سلام 1979. الأردن 1994. الإمارات والبحرين والمغرب والسودان وقّعوا اتفاقيات إبراهيم 2020. سبع دول عربية تعترف بإسرائيل رسمياً وتتجارة معها بمليارات الدولارات
.
لكن “الجزيرة” لا تُطلق حملات ضد هذا التطبيع. لا تستضيف علماءً لإدانة حكومات هذه الدول على الهواء. لماذا؟ لأنها في “النادي”—نادي الدول المعترف بها. وصوماليلاند خارجه. بلا صوت في قاعات القوة، عُرضة للاستهداف المُصنَّع.
والسؤال الذي يُسدل الستار: إذا كانت هذه الدول تُدين صوماليلاند بسبب علاقاتها المزعومة بإسرائيل، فلماذا لا تُلغي اتفاقيات السلام؟ لماذا لا تُغلق السفارات في القاهرة وعمّان وأبوظبي؟
لا يستطيعون. لأن “القدس” عندهم ليست قضية مقدسة، بل سلعة إعلامية—تُرفع حين يناسبهم وتُخفى حين لا تناسبهم.
المفارقة القطرية: البكاء على القدس واستضافة آلة الحرب
قطر، التي تدفع رواتب مُذيعي “الجزيرة”، تستضيف على أراضيها قاعدة “العديد”—أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. هذه القاعدة تخدم كمركز القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، تنسّق العمليات العسكرية الإقليمية بما فيها تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل.
في 2025–2026، أصبحت القاعدة أكثر مركزية. فتحت CENTCOM خلية جديدة للتنسيق الجوي والدفاع الصاروخي في العديد، صُمّمت لتعزيز “التعاون الدفاعي الإقليمي” ضد التهديدات المشتركة—بما فيها التهديدات الإيرانية لإسرائيل. وفي يونيو 2025، استهدفت إيران القاعدة انتقاماً لدعم أمريكا لإسرائيل، مؤكدةً دورها كحلقة وصل في البنية الأمنية الأمريكية-الإسرائيلية.
في الدوحة نفسها، ممثلون إسرائيليون يتفاوضون ويتاجرون كجزء من النظام الدبلوماسي القطري. بينما يبكي مُذيعو “الجزيرة” على الهواء للقدس.
كيف تتباكى قناة قطرية على “القدس المحتلة” وتستخدمها كـ”عصا غليظة” لضرب صوماليلاند، بينما تستضيف حكومتها القاعدة التي تحمي العمليات العسكرية الإسرائيلية؟ هذا ليس تأطيراً مهنياً، بل نفاق مؤسسي يكشف أن “الجزيرة” ليست منبراً للحرية، بل بوقاً لتلميع صفقات النظام.
ما محته “الجزيرة”
أخطر أشكال التضليل ليس الكذب، بل “الصحافة بالاختيار”—حذف السياق التاريخي الذي لا يتناسب مع السردية.
صوماليلاند استقلت 26 يونيو 1960، قبل جنوب الصومال بخمسة أيام. اعترفت بها 35 دولة وانضمت للأمم المتحدة. هذا ليس انفصالاً، بل استعادة للسيادة بعد اتحاد فاشل. في 1991، تفككت الجمهورية الصومالية. استعادت صوماليلاند سيادتها بعد عقود من الإبادة على يد نظام سياد بري، الذي دمّر المدن الشمالية وقصف هرجيسا حتى أصبحت ركاماً.
منذ 2003، أجرت أربع انتقالات سلمية للسلطة وانتخابات تعددية. بينما مقديشو لا تستطيع تأمين مطارها بدون جنود أتراك، صوماليلاند أجرت انتخابات رئاسية تنافسية استوفت معايير المراقبة الدولية. ميناء بربرة تُديره DP World باستثمار 442 مليون دولار. هذه ليست دولة تابعة—إنها دولة أُعيد تأسيسها بعد انهيار اتحاد فاشل.
صوماليلاند تُعاقَب ليس على ذنوبها، بل على نجاحها
لماذا تُرعِب صوماليلاند “النادي”؟
الحملة ليست عن إسرائيل ولا عن أطفال. إنها عن مصالح مُهددة. تركيا استثمرت مليارات في مقديشو ولا تريد بديلاً ديمقراطياً يفضح افلاس نموذج “الدولة التابعة”. قطر تستخدم “الجزيرة” لتشكيل سرديات تخدم توازنها—استضافة قواعد أمريكية بينما تتظاهر بأنها صوت المقاومة. الجامعة العربية تخشى السابقة. والاتحاد الأفريقي يتشبث بخريطة الحدود الاستعمارية.
صوماليلاند بنت دولة من دون اعتراف، أجرت انتخابات من دون إشراف أممي، أدارت موانئ من دون قروض بنكية، وحافظت على السلام من دون قوات حفظ سلام. إنها دحض حيّ لسردية أن أفريقيا بحاجة إلى منقذين خارجيين.
الجزيرة تُشعل الفتنة: حين يصبح الإعلام آلة لاستعداء المسلمين
هنا يتجاوز الأمر النقد الإعلامي إلى التحريض المُمنهج. “الجزيرة” لا تكتفي بتضليل المشاهد حول صوماليلاند—إنها تسعى بشكل متعمد إلى استعداء الشعوب المسلمة ضد شعب صوماليلاند.
باختيارها مقطعاً لأطفال صوماليلاند وتضخيمه كـ”قضية إيمانية” و”خيانة للقضية الفلسطينية”، تُرسّل “الجزيرة” رسالة خطيرة لجمهورها الممتد من المحيط إلى الخليج: “هذا الشعب عدوّكم.” تُحوّل مقطعاً عفوياً لأطفال إلى “دليل” على أن صوماليلاند شعبٌ مُرتدٌ عن “الخط الإسلامي”، وأن معاداته واجب ديني.
هذا ليس تغطية إعلامية. هذا تأليب طائفي مُقنَّع. “الجزيرة” تعلم أن جمهورها المسلم يتأثر بالقضية الفلسطينية عاطفياً ودينياً. فتستثمر هذه العاطفة لصناعة عدوّ داخلي جديد—ليس الدول العربية التي طبّعت مع إسرائيل، بل شعب بلا دولة لا يملك حتى حق الرد على الشاشة.
“الجزيرة” تستثمر عاطفة المسلمين بالقدس لصناعة عدوّ داخلي جديد—ليس الدول المطبّعة، بل شعب بلا دولة
النتيجة؟ موجات من الكراهية على وسائل التواصل ضد صوماليلاند. تهديدات. حملات مقاطعة. دعوات للتكفير. كلها مُغذّاة بقرار تحريري اتخذه مُحرّر في الدوحة يعرف تماماً أنه يُشعل فتيلاً قد يحرق أطفالاً أبرياء في هرجيسا وبربرة وبوصاصو.
أين المسؤولية المهنية؟ أين حماية الأطفال التي تتشدق بها المواثيق الصحفية؟ “الجزيرة” لم تُضخّم المقطع لأنه “خبر”—لأن الخبر الحقيقي هو أن دولاً عربية كاملة طبّعت مع إسرائيل. بل اختارته لأنه يخدم وظيفة سياسية محددة: تبرير العداء لصوماليلاند، وتسهيل أي ضغط إقليمي مستقبلي عليها، وإقناع الجمهور المسلم أن معاداة هذا الشعب الضعيف “جهاد”، بينما التطبيع مع الدول القوية “سياسة واقعية”.
هذا هو التحريض بعينه: تحويل السخط المشروع على الظلم إلى سيفٍ يُسلَّط على الضعفاء. “الجزيرة” لا تحارب التطبيع—إنها تُعيد توجيه الغضب نحو من لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
الأسئلة التي لن تجيب عنها “الجزيرة”
لو انتشر مقطع لأطفال مصريين يُثنون على إسرائيل، هل كانت “الجزيرة” ستُذيعه كـ”أزمة سياسية”؟ أم ستُهمَّش كأمر غير ذي صلة بفضل معاهدة السلام الرسمية؟
لماذا لا تُذيع مقاطع لأطفال إماراتيين يعبّرون عن آرائهم في إسرائيل؟ هل لأن تلك الدول في “النادي”، وكلمات أطفالها “غير جديرة بالإعلام”؟
كم ساعة تحقيق استقرت “الجزيرة” في المفاوضات التجارية القطرية-الإسرائيلية؟ كم تقريراً عن التنسيق بين العديد والعمليات العسكرية الإسرائيلية؟
إذا كانت العلاقات المزعومة لصوماليلاند مع إسرائيل هي المشكلة، فلماذا تركز الحملة على الأطفال بدلاً من الحكومة المنتخبة ديمقراطياً؟ هل لأن مهاجمة الأطفال لا تتطلب أدلة، بينما مهاجمة الحكومة تتطلب وقائع؟
أين وثائقي “الجزيرة” عن إبادة صوماليلاند 1988–1991؟ عن قصف هرجيسا؟ عن المقابر الجماعية؟ أم أن صوماليلاند لا تظهر إلا حين يمكن استخدامها للهجوم عليها؟
الخاتمة
إلى “الجزيرة”: نحن لا نحتاج اعترافكم لنوجد. لا نحتاج إذنكم لنحكم. لا نحتاج سرديتكم لتُصدِّق تاريخنا.
نحن في صوماليلاند نبني دولة بينما أنتم تُشعلون الفتن في الاستوديوهات. نُدير موانئنا ونُوقّع اتفاقياتنا وندافع عن مصالح شعبنا—بصدق، من دون خجل، ومن دون نفاق.
انتهى الزمن الذي يُقرَّر فيه مصيرنا في أنقرة أو الدوحة أو القاهرة أو مكة دوننا. الاعتراف بنا آتٍ—ليس عبر حوار مفروض أو بيانات مُجمَّعة من دول تخون مبادئها كل يوم، بل عبر دبلوماسية مستقلة وحازمة.
لقد تغيّر التاريخ. ومن لم يدرك ذلك—سيتجاوزه الزمن بلا رحمة.
والسلام على من اتبع الهدى. أما المنافقون—فلا سلام ولا هدى.

